عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

82

اللباب في علوم الكتاب

قال بعضهم : الخطاب لجميع أمّة محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقال عطاء والرّبيع بن أنس : المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بعد الهجرة وهذا الابتلاء لإظهار المطيع من المعاصي لا ليعلم شيئا ، ولم يكن عالما به ، وقد يطلق الابتلاء على الأمانة ؛ كهذه الآية الكريمة ، والمعنى : وليصيبنكم اللّه بشيء من الخوف ، وقد تقدّم الكلام فيه ، في قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ [ البقرة : 124 ] . وفي حكمة هذا الابتلاء وجوه : أحدها : ليوطّنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت ، فيكون ذلك أبعد لهم من الجزع ، وأسهل عليهم بعد الورود . وثانيها : أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن ، اشتدّ خوفهم « 1 » فيصير ذلك الخوف تعجيلا للابتلاء ، فيستحقّون به مزيد الثّواب . وثالثها : أن الكفار إذا شاهدوا محمدا وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرّين عليه ، مع ما كانوا عليه من نهاية الضر « 2 » والمحنة والجوع ، يعلمون أن القوم إنّما اختاروا هذا الدّين لقطعهم بصحّته ، فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمّل في دلائله . ومن المعلوم الظّاهر أنّ التّبع إذا عرفوا أن المتبوع في أعظم المحن بسبب المذهب الذي ينصره ، ثم رأوه مع ذلك مصرّا على ذلك المذهب كان ذلك أدعى لهم إلى اتّباعه مما إذا رأوه مرفّه الحال ، لا كلفة عليه في ذلك المذهب . ورابعها : أنه تعالى أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه ، فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه ، فكان ذلك إخبارا عن الغيب ، فكان معجزا . وخامسها : أنّ من المنافقين من أظهر متابعة الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه طمعا منه في المال ، وسعة الرزق ، فإذا اختبره تعالى بنزول هذه المحن فعند ذلك يتميز المنافق من الموافق ؛ لأنّ المنافق إذا سمع ذلك ، نفر منه ، وترك دينه ، فكان في هذا الاختبار هذه الفائدة . وسادسها : أن إخلاص الإنسان حالة [ البلاء ، ورجوعه إلى باب اللّه تعالى ] « 3 » أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه . قوله تعالى : « وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ » هذا جواب قسم محذوف ، ومتى كان جوابه مضارعا مثبتا مستقبلا ، وجب تلقيه باللام وإحدى النونين خلافا للكوفيين حيث يعاقبون بينهما ، ولا

--> - والحديث ذكره المتقي الهندي في « كنز العمال » ( 61 ) . وذكره الألباني في « الضعيفة » ( 2 / 89 ) رقم 625 . ( 1 ) في ب : فوقهم . ( 2 ) في أ : الصبر . ( 3 ) في أ : الابتلاء .